محمد متولي الشعراوي
6431
تفسير الشعراوى
يظهر داعية إلى الإصلاح ويريد أن يزحزح الفساد ، فيلتفّون حوله ويتعاطفون معه ، وإن كانوا غير عبيد ، لكن محكومين بالغير ، فهم يؤمنون علنا برجل الإصلاح ، وإن كانوا عبيدا مملوكين للسادة ؛ فهم يؤمنون خفية ، ويتحمل القوى منهم الاضطهاد والتعذيب . إذن : فكل رسول يأتي إنما يأتي في زمن فساد ، وهذا الفساد ينتفع به بعض الناس ؛ وطغيان يعاني منه الكثيرون الواقع عليهم الفساد والطغيان . ويأتي الرسول وكأنه ثورة على الطغيان والفساد ؛ لذلك يتمسك به الضعفاء ويفرحون به ، وتلتف قلوبهم حوله . أما المنتفعون بالفساد فيقولون : إن أتباعك هم أراذلنا . وكأن هذا القول طعن في الرسول ، لكنهم أغبياء ؛ لأن هذا القول دليل على ضرورة مجىء الرسول ؛ ليخلص هؤلاء الضعاف ، ويجئ الرسول ليقود غضبة على فساد الأرض ، ولينهى هذا الفساد . وهي غضبة تختلف عن غضبة الثائر العادي من الناس ، فالثائر من الناس يرى من يصفق له من المطحونين بالفساد . لكن آفة « 1 » الثائر من البشر شئ واحد ، هي أنه يريد أن يستمر ثائرا ، ولكن الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد ، ثم يهدأ ليبنى الأمجاد ، فلا يسلط السيف على الكل ، ولا يفضّل قوما على قوم ، ولا يدلل من طغى عليهم ، ويظلم من طغوا . بل عليه أن يحكم بين الناس بالعدل والرحمة ؛ لتستقيم الأمور ، وتذهب الأحقاد ، ويعلم الناس كلهم أن الثائر ما جاء ضد طائفة بعينها ، وإنما جاء ضد ظلم طائفة لغيرها ، فإذا أخذ من الظالم وأعطى المظلوم ؛ فليجعل الاثنين سواء أمام عينيه .
--> ( 1 ) آفة الشئ : الخطأ الذي فيه ، أو نقصه ، أو عيبه . [ راجع : لسان العرب - مادة أوف ]